رواية || ليل معدني || بقلم الاستاذ الأديب الكاتب الروائي موسى غافل الشطري

.
قدمت هذه الرواية الى دار الشؤون الثقافية عام 1994 و رفضت لاسباب سياسية ثم جرى تطويرها فيما بعد

رواية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لَيلٌ مَعدَنِي

موسى غافل الشطري

طبعة ثانية

منقحة

موسى غافل الشطري


ألاهـــــــــــــــــداء

إلى المرأة العراقية التي تحملت الآلام والنكبات

7/8/2003

الجزء الأول

**********

كان لغرابة الحدث الذي هزّ مضاجع العالم بأسره ، قد أكد بامتياز : على انه قد عصف بالمفاهيم السائدة و قلبها رأسا على عقب ، و كأن احداث الحرب الطاحنة ، ما جاءت إلاّ لترويض القلوب ، كي لا تفاجأ بغرابته.

و بدلاً من ليالي الأنس و الطرب التي كانت سائدة من قبل .. أسال الحزن الطاغي رعبه و كدره ، و مسّ بالجنون ، عقول الكثير من الشباب الذين ارعبتهم الأهوال . فأجزلت بالدموع ، وخضلت وجوه الأمهات ، و أوجعت قلوبهن ، و ساح كدرها على دروب المدينة.

كان كما لو ان ملك الموت قد استعمر المدينة ، و استوطن في ثناياها ، فبدت غرائب أحداثها تجري متلاحقة ... و لم تتوقف لحظة واحدة ، و كأن مخلوقاً خرافياً يسوقها بسوطِ بَرْقهِ و هدير رعده ، فينشد الأولاد أناشيدها الحماسية ، لتجعلهم يركضون خلف زَمارها كأنهم ممسوسون.

و كان القلق و الخوف من المجهول يكلكل على ذوي الذين تجندوا ، و مضوا إلى وطيس الحرب . و في عمق الليل الواعد بمفاجأت الرعب ، يتردد الصراخ المفاجئ . فيسري الخبر على عجل بقدوم ضحية ، أو أكثر ، من جبهات القتال ، ليوصل بيانه لكل حيّ و لكل زقاق .

ووجدت (زهرة ) نفسها ، كقوّالة مآتم .. ملظومة كالخيط ذاته الذي لظمت به مفردات الحرب . وبدا من الصعب عليها أن تنخرم و لو ليوم واحد من تلك الطلبات.

ليس بوسعها أن تُجزّئ نفسها حتى تلبي كل الدعوات . فالمآتم تزايدت على نحو مريع ، واتسع نطاقها . و كانت حالها حال الجميع ، تتطلع إلى اليوم الذي يحل فيه السلام . فقد سئمت من عطاء هذا الرزق المشئوم . و تجاوزت خلو البال من هموم الحرب . و امتلك الحدث اليومي و الكوابيس الليلية لُبها . و عندما تُنكب عائلة من عوائل المدينة بأحد أبنائها و عودته منعوشاً من جبهات القتال ، تكون هي قد لبست ملابسها السوداء التي خصها بها ولدها جاسم ، و تجوْربت بجوراب أسود ، و غادرت في الصباح على عجل ، كأنها معنية بالمصيبة الجديدة .

مس الخوف قلبها وأرعبه ، بما يمكن أن يحدث لولدها. ورابها أكثر.. إن الأحزان أحاطت ببيتها من كل دار ملاصقة لبيتها. من بيت جارتها أم محمد المنكوبه بولديها، إلى جهات بيتها الأربع ، فغابت ملامح الابتسامة عن وجهها، و توضفت إذناها لكي تكون مجسات تنصت لأية صرخة تتردد في قلب المدينة و أطرافها .

إنها إلى حد ما - دون أن تفقه ذلك - إنما هي جزء لا يتجزّأ ضمن ما يجري من الأدوات التي توظف لإكمال خاتمة للبكاء الجماعي و الدموع، من أجل المأسوف عليه ، و لآخر وداع للرحيل الأبدي .

بل إنها فَجأة .. و دون أن تمتلك تفسيراً لأبعاد مثل هذا الشعور ؛ صعقت بإحساس يثقل قلبها: كأن كل هذه المآتم ، وما ندبت فيها من ضحايا ؛ إنما كانت تفعل ذلك كجزء يلوّح لقلبها بأنها لا تستطيع أن تحصن عتبة دارها من طرقاته .

و كما لو كان الخطب المروِّع يتحين الفرص لكي يسطو على قلبها ، من ذلك التوجس الكامن في أضلاعها . و بأنها تبكي مصيرها الذي تكدرت مسالكه و ازدحمت به القبور . و هو ما يزيد قلبها خشية . هكذا هو الأمر المنحوس الذي يُصبِح ويمسي مُرافقاً لها كظلها.

***

عندما تخلد إلى النوم تظل حتى أواخر الليل ، تراقب وجه ولدها جاسم ، و هو يستغرق بنومه إلى جانبها ، فتنعم نظرها لظلال تقطيبة ارتسمت بين حاجبيه . و لشاربيه الوسيمين ، وقد استرسلا فوق شفتين ينمان عن عذريتهما .

كان يتأتى لها أن تراقب كل شيء فيه بأمعان و هو في عمق نومه . فتدمع عيناها ، و هي تكاد أن تحتضن رأسه ، ممررة أصابعها على شعر رأسه الجميل . و مثل طفل غرير .. تتردد أنفاسه هادئة وديعة ، فتجزل بدموعها على وسادتها بصمت .

وتكفكف ما تذرف خوفاً من هذا القلق اللعين . إذ هي تدري كيف تأتىّ له أن يغزو رأسها و يجثم فوق قلبها . إنها حقاً خائفة.. خائفة جدا.

***

مس زهرة ذلك القلق الذي يدب كالدبيب بين ثنايا قلبها . هو القلق الذي لم تتجرأ أية امرأة أن تتجاهله ، مخافة استضافته لبيتها الذي ينعم بالسكينة .

ما أقلق بالها : مخافة أن تجد نفسها في لحظة ما ، و قد فوجئت بمغادرة ولدها إلى ساحات القتال . كان مثل هذا .. كأنه نــذيرٌ يقترب من عتبة بابها . أو يتخطى من حذائه ، ليطرق باباً على بعد خطوات . اعتادت ان تسمع برعب طرقات الأبواب في النهار و في عمق الليل .. فيرتجف قلبها . إنه قلب مهيأ تماماً - دون أي اعتراض.. و دون أية حصانة - لكي يتروض على الإذعان لتقبل اللحظة التي يغادر بها ولدها إلى جبهات القتال .

ما الذي يمحي هذه الصورة القاتمة عن بالها ؟ و هذا الذعر الذي يخلع رئتيها ؟ حتى يكون باستطاعة عينيها أن يطبقا جفنيهما ، عندما يخيم ظلام الليل و تهجع باطمئنان؟ وتنصرف إلى إطلاق العنان لآمالها في سلامة مستقبل ابنيها كما تأملته وخططت له. إختفى ذلك الأمل الذي كرست عمرها لانتظاره .

***

ففعلها ذلك النـــــذير المشؤوم ، الذي طالما أقلقها و اصطفقت منه أضلعها. فعلها وطرق بابها .... واستُدعِيَ جاسم إلى جبهات القتال .

***

انطوت ام جاسم على نفسها لمدة اسبوع في بيتها لا تستجيب للدعوات . كانت قد انصرفت بكاملها مستجيبة لحالة من الاستسلام ، إلى ذلك الخوف المتوحش ، من ذلك المصير المقلق . لكنها روضت نفسها لتذعن للقدر . لا حيلة لديها لتلافيه . و ليس أمامها سوى أن تراسل ولدها ، ظناً منها انها ستتخطى الأخطار ، و تطمئن قلبه . فواصلت ببعث رسائلها إليه ، مع أي مجند على مقربة من موقعه . ربما لكي تحسسها هذه الممارسة ؛ بأنه قريب منها.

إنها تريد أن تلغي المسافات الشاسعة التي نأت به ، فألقته في تلك الأصقاع الضاربة ببعدها القصي ، و الباعثة بوميض لهيبها. لأنها تفهم ما يدور هناك ؛ بأنه : عراك تكاد أن تلتحم فيه الأجساد ، حد أن يكون المتقاتلون يتصارعون بالأيدي ويقضمون بأسنانهم أوردة رقاب بعضهم البعض .

تأجج حنينها لولدها الذي يداعب سويداء القلب . فهي الأمية التي لا تقرأ و لا تكتب ؛ بدأت تفهم الآن أكثر من أي وقت مضى .. آلات الحرب ، بأنها ليست للزينة كما يفعل البعض فيصنع من كبسولة طلقة المدفع مزهرية للورود . و رسم ذهنها منظر الحربة التي ثُبتت تحت فوهة البندقية بأنه لبقر البطون والذبح . وإن الطائرات والمدافع لا تنفك عن إلقاء حممها لحظة واحدة . وولدها يتقلى بسعير النار ، بين طيّات تلك الصراعات الملتحمة التي لم يسلم منها حتى الحجر .

أي قلب يمكن أن يصمد و يدعو أيّامه تمر دون كدر ودون قلق؟ وأي قلب لأُم جاسم التي تكبّدت حنجرتها متاعب كل تلك المآتم فخشن صوتها ، و مال إلى النبرة المسترجلة ؟  فباتت رهينة لأداة مجريات الحرب ودعاياتها وخسائرها.

  فمكبرات الصوت آخت بين انطلاق صوتها الذي بدا ذو نبرة حادّة تميل للخشونة بنبرة غاضبة متوجعة متمردة ، فيتداخل صوتها لتطوِّح به في عالم  مكبرات الصوت التي تنقل معطيات فواجع الموت الوافدة من جبهات القتال . 

في جبهة القتال .. اعتاد جاسم و تطبع على هذه الليالي ، و الصباحات المكتظة بالمناوشات ، و الضربات الاستباقية . يتخاطب ليلها و نهارها بلغة الفولاذ ووميض البارود . يرتطم ، و يتحطم ، و ينصهر ، و يتفجر بعضه ببعض . يقذف حمما من كل الجهات . يشتبك في السماء و في الأرض . و تتعالى الحرائق التي تلتهم حتى الحديد . و جاسم وسط هذا كله . ليس سوى رأس مشلول الإرادة ، لا ضرورة لاستقراره بين منكبيه ، و لا يتحكم بما يحيط به من احداث ، و لا يسيطر في مجرياتها سوى على شاجورين من الرصاص فحسب . يأتيه أمر : إرمِ ، فيرمي . و قلب تحاول رسالة جاءته من ذويه : أن تصارع كل هذا الذي يجري لضمان سلامته . لذا  تعود أن لا يأبه ، إن كان الموت يستلقي بجانبه أو يقبع قرب ملاذه . فالموت لم يعد محدد المعالم ، و لم تعد هناك قوة تتصدى لردعه.  

***

 بدأ جاسم يدرك لغة الحرب ومصطلحاتها ، وســـــــاعات إرخاء حبلها . وبَعد نواح ليل مدلهم ممطر , كان الأُفق يلتهب بين لحظة وأُخرى . وفي أحيان متعاقبة هي الأكثر سيادة ، يستضيء بالكامل و تتواصل حرائقه . 

***

  بعد هذا روّق مزاج جاسم  يوم مشمس هادئ . أسعده ..أن يتابع فيه قراءة كلمات أخيه المتدفقة بالحنان الطفولي . أنها بالكاد , تقتدر على تحمل أعباء توصيات أمه. 

 أعاد قراءة تلك الكلمات المتعثرة اللذيذة : 

 (( أخي جاسم  ، نور عيني و مهجة قلبي .. أمك توصيك .. ابني .. ابني .. أول شيء : لا تهمل نفسك , وثاني شيء : أمي تطمئنك .. بان الحصان بخير. ففي كل مساء .. يتطلع صاهلا منتظراً عودتك ، عبر نفس الطريق . وأنها حلمت: بان أبا اللأئمة  يدثرنا - نحن الاثنين - بالغطاء  وهذا يعني  أننا جميعا بحمايته . لذا : لا تدع القلق يحزن قلبك )) .

  كبح دمعة أوشك أن يذرفها. كانت أمه كحالها دائما تكابر ، هو يعرف أن قربه منها.. ملاذها وانسها و ضمان قرة عينها . غير أنه يدرك : إن هذا التدفق من الجنائز يوشك . أن يبتلع اطمئنان قلبها.  

(( أخي جاسم.. أنا أخوك حسن الذي يحبك . أنا كما كنت تفعل  كل يوم  فاني أنجز عليقة الحصان و أعتني به. أما جارتنا - أم محمد - فتأتينا كل مساء, وتبلغكما سلامها.إنها تنتظر ولدها محمد ، وهي مطمئنة بكونكما على قرب من بعضكما ))

شاكسه محمد القابع على مسافة منه :

ـ أما اكتفيت ؟

قال جاسم باسماً :

- ليس بعد .

 من جديد وعبر قصاصة الورق, تهادى في عربة الآلام ، عبر مفازات الكلمات البريئة. غائرا إلى عمق كلمات أمه . إلى قلبها الذي حل إلى جانبه عبر الرسالة . مندفعا باتجاه تيار الشوق ، ألمقاوم لكل الواقع الذي يعيشه بكل معطيات ميادين الحرب . بكل حواسه اللاجئة لمكنون صدرها ، الزاخر بالقلق و الهم على مصيره :

(( لا تقلق علينا.. فنحن بخير . كل ما يشغلنا هو أن تحافظ على نفسك)).

  وفي حسرة ساخنة .. خاطب نفسه : ( يا ليت ... يا ليت أن  يتحقق ذلك ليزداد قلبي اطمئناناً . أفديك بروحي يا أمي الحنونة ) . 

 بقي متشبثا بالرسالة مثل نافذة يطل منها إلى حيث الأحبة ، والشوق إلى النوم الهادئ القرير ، والأزقة التي ترتادها عربته. كم هو متلهف لتلك الأيام ؟ حين كان - قبل أن تبدأ الحرب و تزداد المآتم – كان يُطوّح بصوته الشجي من فوق عربته المتهادية . والى وداعة تلك الأيام ويسرها. كم كان يسعده حين إيابه من عمله ، ليجد أخاه بانتظاره  في إطـــلالة الزقاق ؟  

  إذن على أخيه أن يكبر بسرعة و يأخذ دوره . فقبله طالما أتعبته شدائد الأيام والتهمت بهجة طفولته وتخطاها . حتى مكنته أن يعتلي عربة يجرها حصان ليس (كديشا ) ، بل ذا أصول نقية. لذا نادراً ما ألهب ظهره بضربة سوط فإن فعل ذلك فإنه يميل على أذنه و يهمس : 

- ألأخ الكبير يؤدب . 

كان يعامله باحترام كأي عضيد . فهو كالأخ . و هذه ليست اهانة إنما عمل تأديبي . وحين يحس بانه تخطى حدوده معه يهمس بإذنه باسما :

ـ عليك مثل أي ولد نبيه.. أن  تحتفظ  بتوصية أمي بأنني الأخ الأكبر لك، و الأخ الأكبر ماذا يفعل ...؟؟ يؤدب . 

تآخى  مع الحصان فعلاً . فلم تتح له طفولته وقتاً للهو . 

ينقطع عن القراءة  بفعل تقريع محمد :

- كفى يا آخي كفى ،  ماذا أقول أنا ؟ هل تخلق لنا مناحة ؟

ثم جفاه وقرفص على مسافة. بينما مكثت الرسالة تراوح بين يدي جاسم و ينحني رأسه فوقها كأنه يخلد ليستريح بين حنايا قلب والدته ، التي تأبى أن تدعه وحيدا .

  يظل محمد .. يرقبه هو الأخر عن كثب . فطالما كرر قراءة رسائل أخويه الراحلين . 

 هل يضايقه ذلك ؟

 ظلت أحزان الذكريات تتسرب إلى روح محمد. غير إن رأس جاسم  الذي ما انفك مثقلا بكلمات أخيه ، قد اجتثّ بأقل من لمح البصر واختفى . بل لم يحس محمد بالذي حدث ، سوى.. بعد أن أزيح الغبار بدا جسد جاسم قائما والقصاصة بين يديه ، والرأس مفقود.  حالة لا يتقبلها العقل ، أفزعته وأذهلته . 

 كانت حالة الذهول قائمة والدم لائذا مصعوقاً. تلك الحالة ، أفزعت محمد وأصابته بالإرتباك ، فانسحب إلى بعد مناسب ليرقب ما يحدث لجاره .

   الموت والنواح لا يستثنيان بيتاً ، ويطرقانه حين اقتضاء ذلك . وليس هناك امرأة – بنت أبيها- لم يجفل قلبها، ولم ينخلع من طرقة باب عجولة ، حتى لو كان نهارا . فذلك الطرق هو موت آخر يبهت الروح و يقطع نياط القلب . فكيف بثقل وطأته أثناء ليل موشح بالهدوء المريب ؟ حتى إذا.. ما زحفت حلكته ، وترددت بين ليلة وأخرى، دمدمت زاحفة ، وانبعث وميضها من مسافات قصية . ليلهب هدوء المرء ، بسياط من الفزع والخوف. من غول مجهول متربص ، شرهٌ يبتلع كل شيء . يعتلي أكتاف ليلة ليلاء قارصة ، أقفرت منها الشوارع ، و ليزف الردى والنكبات ، على نحو طرق مرعوب على الباب .

  كان أول من استقبل هذا الضيف الثقيل.. همهمة حصان جاسم ، ثم صهيله في باكورة الليل . تتبعه..إطلالة ، لنعش من فوق الباب , وليتلو ذلك.. صفعات من الطرق الليلي. سيل عارم من الكدر المذهل . فأين أم جاسم من كل هذا ؟ من تلك المفاجأة ؟ أي ذعر رافق الصهيل المجلجل ليستقبل ، طرقاً عجولاً ، لا يراعي عنف الخوف ؟

فانطلق صراخ أم جاسم مجلجلاً ، ليبعث برسالته إلى آذان كل البيوت التي استقبلت فيه هذا الصراخ المتعالي دون انقطاع .

 *   *   *

   كان محمد إبن الجيران برفقة النعش ، لم يستطع أن  يشرح ما وقع . كان  فقط  يفتح  شفتيه ببلاهة ثم يشتد نواحه ويصرخ :

ـ لا افهم شيئا.. دعوني لا يسألني أحد .. لا افهم ما حدث ولا كيف حدث .   

  النعش الموشح يسجى في فناء الدار . و قد أماطت أمه الغطاء عن عنق مفقود الرأس ، حُزّ بضربة ماهرة . لم ينبجس دمه قطعا . و لم تنزف قطرة واحدة على ردائه. 

 تستلقي الجثة بسكينة ، كأنها هانئة بنوم عميق . في حين أبت أمه أن تذعن لمحنتها ، فتترفق بجسدها وأعضائها المنهكة. كانت تنتصب بين بنات الزقاق المتحلقات اللاطمات ، غير آبهة بما يقوله محمد . بقيت تتشبث ، ولو بأوهى أمل يوحي على أن الجثة ليست لولدها. وحين انفرط  كل ما لديها من مقاومة لدليل قالت :

ـ اتركوني معه وحيدة  لكي أتأكّد منه .

 أخلت النسوة المكان ، يمنين أنفسهن  بما يبطل الأمر ، وران صمت مشوب بالوجوم . صمت يسبق قولا فاصلا في قضية : هي محنة واقعة ، لكنها تحتمل أن ينتزع - أو يرجو الممتحن- أن ينتزع نفسه منها. 

 خلعت الأم بذلة ولدها لتتحرّى علامة هي ندبة تقع في ردفه . وجدت هذه الندبة وكانت واضحة كل الوضوح . تبدد الصمت بصرخة الأم المروعة وهي تتلاشى.. في.. فجعة صراخ متلاطم.

  فكان هناك .... سيل من حزن عارم ، مزق بقسوة حشمة الشك الموهوم. وفي ساعة من ليل مخضل نائح.. بوفرة من الدموع ، ودمدمة الرعد المكتوم ، يتبعه هطل رتيب متواصل ، ظلت أم جاسم : تَعوَل وتتلوى بين أحضان هذا الليل ألمثقل بكدر المطر الحزين . ظل يدثرها بردائه ، بمشاركة وجدانية طاغية. و حنان أُمومي هامي الدموع . انحنت فوق التابوت ، وأماطت مزق الثوب عن صدرها الموجع ، لتهبط بثديها المكتنز, وكأنها ولدته توا.أو كأنها تريد أن تبهت وقاحة الحدث وتتجاهل حقيقة أمره .أو تمُعن في عنادها معه : أن هو إلاّ بهتان وكذب . وإن حقيقة الأمر في  ثديها هذا الذي كوّن كل الحياة ووجودها . لأجل أن تمضي بتحديها لكل هذه الوقائع و ترغمه أن يلوذ مندحراً أمام سطوة الأمومة في ثديها : قرّبته مداعبة به نحره ، كما لو كانت ترغب، كما فعلت يوم ولادته .

  وضعت كل قدرة امومتها في ثدييها المكتنزين ليلتحما لثما تعاقباًمع الرقبة المستأصل رأسها . يلتصق التابوت تحت أحشائها. تتحد معه في جسد واحد. تحس أن رحمها رحب وفيه متسع لكل جسده . تجأر وكأنها في طلق عاسر . 

هذا ديدنها . انفردت بولدها ليلها كله . رافضة أية مساعدة أو رعاية من جاراتها وعلى هواها .. ظلت ليلها بكامله تتلوى ممسكة أحشاءها بيديها . استلقت حاشرة جسدها فوق صدره ، وحلمة الثدي النافرة ، تضغط عند فتحة نحره . وعجبت لهذا الدفء المنبعث من جسده. واحتواها ما يشبه الوهم . فهي.. بين الشك واليقين: بأنها قهرت الموت.. وبأن ثمة لثما لحلمة ثديها في فتحة البلعوم المستأصل الرأس.

  وأسرها يقين لنزع الشك : لكي تتصوّر أو تتخيل ؛ حالة.. ابتداء لمداعبة حلمتها من فم لطفل غرير. لكن.. صرعتها غفوة جامحة ، أو هوس، أو غيبوبة إلهية ، لمحق قدرة عامل الحرب ... فكبا وعيها وارتد.. إلى زمن مخاضها فيه .

  فاستعادة كينونة الباب الموصد.. و زوجها لا يقر له قرار خلفه ،  تنــتابه  نوبة سعال حادة تحسسها  بقربه . تتمخض  وتعسر ولادتها .يستمر الزوج بالسعال. تناشده ألا يبتعد. تسمع وقع خطواته. يظل خاطفا بظله خلف الباب. تستغيث به. تحثها مولدتها :

- لا تصرخي ، بل ادفعي بنفسك نحو الأسفل واضغطي . يهيب بها الزوج من خلف الباب :

ـ ادفعي.... ادفعي .

وتجيب بأنفاس مبهورة :

- لا أستطيع . إني أكاد أموت.

رجاها مشجعا:

ـ اضغطي بأنفاسك .. اضغطي .

 وتراءى لأُم جاسم .. أن الباب ينفتح  وتخرج مولدتها من فرجته إلى الفناء ملقية بعصابتها و شالها شاخصة متضرعة :

- ألهى فرجك , حاضر الشِدّات.. هذا يومك .   

  أفاقتْ أم جاسم لتجد نفسها معروقة الوجه والجسد. مكلومة مُنهدّة. يكتمل يقينها، بان دفأها يتوازن مع دفء جثته. تحس عند حلمة ثديها - التي ركست في فتحة البلعوم أن ثمة رفيفا رامشا ، امتصاصاً لحليبها المستدر . ثمة شيء اقرب للحركة، حركة واهنة دافئة.  يتبلور في عمقها ؛ بأنها قادرة أن تنتصر على محنته . و أن ثديها ماض حتى النهاية لدحر ما جيء به وأُريد منها أن تذعن لحكمه. 

 أصرت على أن .. لا تخضع لمشيئته ، ولن تقرّه. إنه موت غير شرعي . إنه لا معنى له. إنه كذبة مهما كبّرت ، سوف لن تستسلم لها. وها هي بدفق ثديها ، وشغف قلبها ، وحنانها الذي هو أقوى من كل ما أُريد فرضه عليها : أنها قادرة ومُصرّة.. رغم قناعة كل  الدنيا التي آمنت بهذه الكذبة الكبرى ، أنها .. ها هي إلى جنب ولدها لإبعاد الخوف عن قلبه لإبعاد الموت الذي في غير أوانه . في غير لباسه، و مهما كان شكله . لإبعاد فرض واقع مرفوض بانتزاع رأسه.

  تَرْصدْ من عند الترقوة  نفحا واهنا  لوريد الرقبة. ترقب ما يوضّح  ويزيد قناعتها بأن : ثمة حركة تدب على رحبة الصدر صعودا وهبوطا. إن شيئاً .. يصير توّاً. زحفت يدها المترددة الحذرة بحزم ، لتجس  النبض النافح . 

بالكاد ثمة نبض . نبض لا ريب فيه، وليس هناك ما يعرف ببرودة الموت.

همست مع نفسها بصوت واطئ تغص فيه، كأنها تغتصبه من حقيقة وقحة قائمة ، والقلب يطرد في رهان :((هل هو راقد ؟ هل يمكن العودة فعلاً كما تتمنى للحياة أن تتحول من حال إلى حال ؟وإن ما يحدث ربما تستطيع المعجزة الإلهية من عودة رأسه ؟ )). كان وجيب  قلبها يضغط , بعنف تحت الحنجرة . 

 وحتى لا تُفزِع ابنها الآخر.. فإنَّ عليها أن تخفَّ به إلى جارتها غافيا . لكنها فوجئت بذراع ابنها الضحية ترتفع، وتهبط بلطف، فوق يدها، كما لو كانت تتحاشى المفاجأة ، أو يريد أن يقول شيئاً. لكن.. وإن كانت قد هيّأت نفسها لكل احتمال ، فإن يد الأم المذعورة قد أبعدتها  بقسوة لا إرادية ، وكتمت صرخة أوشكت أن تمزق ستار الليل الراكن إلى نواح غيثي متواصل .

  احتفظت بمسافة ضرورية بينهما. تابعت يده انسحابها عائدة بأصابع محبطة راجفة ، واستلقت جنب فخذه. وتردد.. عبر نحره .. ما يشبه حشرجة كبش مذبوح .

و تساءلت فجأة :

- جاسم..كل ما يجري يدلل على أنك  حي ؟!!

و لكن من أين له الأذن التي ينبغي أن يسمع بها ؟

رددت تخاطبه : 

ـ هل عزّتْ عليّ نفسي حتى أعذرها عندما سحبتُ يدي من يدك ؟ لا .. سوّد الله وجه أمك .

 هرعت كما لو أنها تلبي نداء استغاثة ، وأمسكت باليد، التي دب فيها الدفء والتي أطبقت على أصابعها بكل لهفة وشوق . رفعها إلى أعلى . ربما توهّم باقتداره على أن يلثم يدها كما تعوّد . استغاثت بدموع لم تذرفها من قبل .

  أحست بتململ..من داخل التابوت ، ثم..ببطء ، رفع يديه  ليتحسس موضع الرأس . ناضل الجسد بلا هوادة ، لكي ينهض ويتحرك. 

 استقام ، مقاوما حالة إخفاقه وترنحه. بعد هنيهة استقرّ واقفا ، واجتاز حافة النعش، متجها صوب الباب ليفتحه ويتجه إلى الحصان الذي تشممه من أعلى إلى أسفل وأطلق صهيلاً عالياً. ثم توجه جاسم إلى العربة . ومن ثم عاد و أوصد الباب ، و اتجه إلى نضيدة الأغطية . أمسك بدثار، ولف به جسد الصبي المتكور، ثم .. ألقى بغطاء آخر فوق جسد أُمه وعاد حيث سجيته وتمدد.

  رغم ما تمنته الأم فإن ما يحدث يربك قناعتها ويجعلها مهزوزة الانقياد لإقرار ما يحدث. هل هو كابوس ؟ ؟

 فما جرى.. أذهل الأم  وزاد من ارتباكها. وحاولت أن تكيف نفسها لتقره كواقع لا لبس فيه . ومع انها في كامل وعيها .. لكنها لم تجد أي تفسير يمكن أن يستقر رشدها إليه ، رغم أن هناك ما يفرض و ضعاً قائماً . 

 أنها حتى هذه اللحظة ، تختلط عليها المعطيات ؛ بين صيرورة الحدث و بين ما يصب في مفهوم الأوهام . وتودي بها إلى الشعور بوجود خِلة في عقلها. غير أن ما يصار من حيث المعطيات لا يمكن انتماءه إلاّ إلى عالم تجري وقائعه بالفعل . رغم رفضها... لكن أية حقيقة هذه  ؟ ما اسمها ؟

  ولم تطرح أي سؤال، من أجل أن تبقي .. على تشبثها  بهذه الحالة التي حدثت.. لاستدامة بقائه معها . فسواء ما حدث هو جذع أو قشة هذا لا يهم . هل هو حلم ؟ فهي أم والأحلام والحقائق مهما وهنت تتعانق لدى جميع الأمهات.

  ثم.. زحفت على أربع ، مقرفصة قربه بحذر ، ولكي  تتيقن مما شاهدت . هل ما يحدث ، في خروجه إلى حصانه و عودته ، و إلقاء الدثار عليهما، يمكن أن يصير إلى حقيقة ؟ أم هي مرتجة العقل ؟

  لو أن الصباح القادم قد حلَّ و جاءت النسوة المعزيات ..هل تضعه أمامهن لكي يندبنه؟هل هو ميت ؟ وإذا كان حيّاً.. وجاءت الناس لتقدم لها التهنئة ، بعودته حياً .. هل يقتنع أحد بمثل هذه الحياة المبتورة ، التي تكاد أن تبدو معافاة فتأتي به وتضعه أمام المهنئين .  

 - يا إلهي..ٍ هل أنت راضٍ كل الرضا بمحنتي هذه ، وزِراية موقفه ؟

كان صوتها يتهدج ويُسحق ويقطع قلبها قطعةً قطعة  :

- أليس من الأسهل أن يأتيني بكامل خلقته ؟ 

 ظلت يده تشدّ من قبضتها على يدها، كأنه ممتحن بمحنتها. كأنه كما تصوّرته يحدثها و يقول لها:  

ـ ( يا أُماه .. عليك أن تتقبلي الأمر. فما أن يصبح الصباح حتى يطل المسئولون ويقرروا إن كنت حيّاً أو ميتاً . إنهم هم أصحاب القرار . هم الذين يقررون النتيجة القاطعة .هم الذين زوّدوني بأوراق التحاقي و أوراق انصرافي . إن ما ترينه هو حقيقة قائمة. فهناك في موقعي الذي كابدت فيه حالي القائم هذا ، هناك الكثير من الحوادث المثيرة للغرابة والرهبة . إن عليك أيتها الأم أن تنامي هادئة . فالناس في مثل هذا الوقت يخلدون إلى النوم و الأحلام الممتعة . فقد أتعبتك طيلة الليل .النوم ضروري  لكي تبرد أعصابك . ثم لا تنسي ، فأمامك مهمة الإبقاء على سلامة صحتك من أجل جواد . إن عليك أن تبذلي أقصى ما تستطيعين من أجله . إن عليك أن تحافظي عليه . و من ثم عليك أن تتقبلي هذا العبء الجديد).

  ثم.. برفق المحبين : تَرَفق بيده وتمعن متحسسا أوردة يدها النافرة . هَوت بفمها ترصع .. على بقايا النحر  سيلا من قبلٍ ملتاعة. ثم سفحت دمعها هناك ، فتعانق نحيبها  واختلط شيئا فشيئا.. مع تلك الدمدمة الليلية ونواحها الخافت المتواصل. ولكي لا يشعر هذا الليل الكدر، بضعفه ووحدانية نواحه أمام عَظَمة الأم : ضم إلى صدره كل نواحها, وتقبله بكرم وامتنان، منحنيا أمام قدسية هذا العبء العظيم .

 شيئا فشيئا، لحظة بعد لحظة، وقطرة قطرة، تجرعت الأم هذا الواقع التي لا يشبه الحقائق . ألِفت هذه الحال. ألفت وقبلت أي مستثنى, لكي لا تهزم أمام غلبة الحرب القاسية ، التي لا تعرف الرحمة ، لترتوي بجرعاتها العلقمية. ثم .. وجدت نفسها مدفوعة لكي تكرر سؤالها :

- جاسم .. هل أنت حي فعلاً ؟

  يستأنف الصدر تنفسه، كما لو كان يأخذ نفسا هادئاً عميقا بعد فترة نضالية للتوائم مع صيرورة الحالة الجديدة. 

انتظم تنفسه، واليدان منشدتان على بعضهما. أنحنى رأسها فوقه .

- جاسم.. أنا لن أتخلى عنك . و راضية.. ولو بجزء منك فما حدث .. لا ذنب لك فيه. ولكن أين الرأس ؟ ما معنى مجيئك بدونه؟ لو كان الرأس...

  و انتحبت بحرقة كأنها تريد منه أن يساعدهاعلى محنتها هذه ، فراحت تحدث نفسها :

 ـ أليس هذا.. أَّشدُّ من وطــــأة الموت ؟ أليست هذه أم المصائب ؟ هل هناك أمل ؟ ولكن .. أليس من أحيى فيه الروح : قادراً أن يكمل فضله ويعيد الرأس؟

كيف ..!! لا تدري ...

 استعانت بربها و حنجرتها ترتعد :

- الهي.. لا افهم شيئا، وأنا امرأة على قدر حالي..كما أنت ترتئي. ومع هذا تحملني فوق طاقتي . لا اعتراض على حكمك ، ولكن هذه ليست منك. أنا أُريد ولدي كاملاً. عندما عادت له الحياة ، فالواجب أن يعود رأسه معه .أنت ، أيها الرب ، بدأت بمعجزتك التي ما أفادتني بشيء ، جلت حكمتك لا اعتراض على حكمتك .. فأكملها من أجلي . 

و استدركت : 

ـ  حاشى لله ... هذه ليست من صنعك يا إلهي .

 جرح الرقبة الذي لا يبدو جرحا، كما متعارف عليه ، بدا مندملا بلا اثر لجرح . إلا إنه ..ربما يتلهف لقليلٍ من الماء. وبحذر شديد..سكبت عبر أناملها قطرات، فوق البلعوم، لكن القطرات تبددت، ولم تنفذ عبر تقلّصات الفتحة الملمومة  المتأنية.   

 فكرت الأم بحزم ، لكي تجد وسيلة أفضل لهذه المعضلة ، فهرعت تبحث عن قمع .  و أعانت جثته لتستوي ، وأولجت مدق القمع في الفتحة المتقلّصة. وانساب السائل على مهل، متيحا للبلعوم فرصة التكيف مع الحال الجديد . راقبت الأم بعين ثاقبة وظيفتها الجديدة ، وواصلت دون كلل ، إسنادها الكامل، لكي يفلح الجسد، في تجاوز هذا الامتحان العسير. 

فاجأها خاطر جديد : كان عليها أن تنجزه دون إبطاء. إذ عليها أن تدرك بأن وقتها يضيق وهي بحاجة إلى ليل طويل . طويل جدا، حتى تكسب فيه مهلة ، تتيح لها فسحة من الوقت ، لتدبير أمرها مع هذه الحالة و على نحو أفضل . وكان عليها أولا أن تبعد ابنها الثاني ، عن الأحداث هذه ، لكي تنفرد لرعاية ما يمكن رعايته ، مما آلت إليه الجثة الحية . لذا أحكمت الدثار على صغيرها ، واحتوته وغادرت مسرعة. حتى إذا مثلت جارتها ناولته وقالت :

ــ دعيه بعيداً عني .

قالت أم محمد :

- سآتي معك .

قالت هامسة بحزم :

- لا .. دعيني وحدي .

قالت جارتها على مضض :

ــ إذن اذهبي يعينك الله . 

عادت أم جاسم، وأحكمت الأبواب. هرعت إلى حيث الجسد.. المتخبط ، كما لو كان يبحث عن شيء. أما هي.. فقد هيأت نفسها لكل احتمال ، وهي حالات تنشأ وتتطور باضطراد ، وتتطلب أن ترعاها، على نحو متواصل و ملائم . لكن.. من أين لها أن تتقبــــل ما يجري ؟ لكي تنشئ جسرا، بين المجهول الخفي ، الذي يكل إدراكها المحدود أن يفسره , وبين ما أمسى عليه الناس , واقروا واقعه؟

 ففي إيمانها .. ان ما آلت إليه الحال ، لا يفسره ، إلا الأنبياء و الأولياء ، وهي المعجزة التي لا يتحملها العالم الجديد وعلمه. وليست أم جاسم لوحدها ، وهي - بالتأكيد- باتت مع حالة لم تهيئ نفسها، لملابساتها، ولما يشبهها. كان إدراكها المحدود يَحجمُ ويَنشلّ أمام ظاهرة تقمع بوحشية ، وبلا رحمةـ كما تُحجم ـ أوسع وأعظم عقلية ، مدركة ومجربة وحكيمة ، قادرة على تفسير الحالات الصعبة . لذا.. فهي.. لا توصل حواسها المحدودة الأفق إلى هذه الضفاف ولا تشجعها على ذلك ، بل.. تحجم عند قمع الوقائع المعارضة لدفق أُمومتها ، لكي تحتفظ  وإلى الأبد بولدها. وفي الحق.. ليس لها أمل معافى ، لكي ترسو إلى تلك المسلمات، التي ما عادت على بينه، أو لديها.. ما تأمله من ضمانة منطقية ، للوصول إلى شيء ملموس تستطيع أن تفهمه ، أو تستكين إليه . وشمخ أمامها سؤال : 

ـ ( إذا كانت هذه الحال , تتطور إلى وضع  يمكن أن يكون حقيقيا، فكيف تعلنها أمام الناس ؟! والمعنيون؟ ماذا يعتبرونه؟ قتيلا أم معوقا؟ لاسيّما وأنهم قادمون مع الصباح ؟ وإنها قد استلمت شهادة الوفاة التي جاء بها محمد برفقة جثته. ولم تجد في حوزتها ردا جاهزا، وهي محقه. فالذي حدث يشبه الحزر .)

 وانقطعت أفكارها, جراء تعثره وارتطام قدميه، بأواني، كان قد ابتاعها قبيل التحاقه بوحدته ، فجفل قلبها مخافة أن يقع وهتفت :

ـ اسم الله ..اسم الله . برد الشر .

 ثم ارتد بنقلات قلقة متعثرة.

  استمر الليل الكدر ماضياً في أفوله , ودأبت هي لكسب الوقت ، ولكي لا يغدر بها , فقد اجتزأت حيزا، وأصبحت المسالة - والتي ما رضخت لسلطانها - تتوقف على إعداد  سبل التشييع ، ومن ثم الرحيل إلى مثوى أقرانه الأبدي . وكان ابنُها المنكود الحال يبدو و كأنه يتحسس أن هذا العالم ما عاد له فيه مكان . وأنه على أبواب رحيل . غير أن هذا الرحيل أين يتجه به؟ لا علم لأحد بذلك . 

***

 ربما .. لو كان على مستوى من الإدراك : فإن مصيبته لم تترك له مرتكزاً يثبت قدميه على هذه الدنيا. بل و لأنه لا يمتلك رأساً يسمح له بفسحة من صفاء الذهن للتفكير بتدبير حاله . إنه لو كان سليماً كامل المقدرة على تفسير النتائج ؛ لأدرك واقع حاله : بأنه على مفترق طرق تسودها و تتحكم في السيطرة عليها قوة جامحة القسوة غير آدمية ، منشاؤها و هدفها : أن لا تخضع للمسلمات. كتلة كروية من الصلب هائلة جداً ، تمضي بطبيعتها العدوانية متدحرجة ساحقة كل شيء دون تراجع . قوة غاشمة ارتدتها الحرب لتغتال سياقات أي مفهوم غير عدواني ، و تجثو فوقه لسحقه بالكامل . 

***

  أُّم جاسم، منذ حداثة شبابها، لم تثن همتها المصاعب . ولم تركع جرّاء صفعات الزمن . ولا فترت عزيمتها. بل.. فاجت أمواج الكدر والعوز المتلاطم . وبعد وفاة زوجها، حملت ولديها بأسنانها كالقطة ونأت فيهما عبر سنين قاسية ، وشدت أزرها على خصرها، وانغمرت في خضم العمل المضني . 

 حينذاك كانت..امرأة زرية الحال . عسرت عليها لقمة العيش ، قبل زواجها ومن بعده . و حُرمت من الثوب غير المرتق . ومن الدفءِ في قر الشتاء ؟ فما جدوى أن يمنحها الرب كل ذلك الجمال ؟؟

 حتى زواجها الذي كان ينبغي أن يستر حالها ... لم يدم طويلاً ، فترملت في أحلك الأيام . 

و لأنها جميلة غيداء .. توالى الطرق على بابها ، قبل انقضاء أشهر الحداد . لماذا لا يحترمون حدادها ؟ ولا يفكرون بها .. إلاّ لكونها طبقا شهيا ؟ 

 لم يلتفت أحدٌ للظروف القاسية التي عاناها زوجها أيام علّته . لا قريب و لا بعيد . لآ أحد تفقّد طفليها .. و لا أحد تفقد قِدْرهما . و عندما امتدت أيدي المحسنين و هي في حدادها.. كان مع إحسانهم عرضُ زواج ؟

كم أوجعتها و أهانتها تلك العروض ؟ كم هي قصيرة اللسان عن كيل الكلمات المناسبة لهؤلاء مَيتي الاحساس ؟

 ما أن يغادر أصحاب العرض .. حتى تلقي بزادهم للكلاب و تنخرط بالبكاء . 

أصرّت أن تكرس حياتها لتربية ولديها مهما نهش الجوع أمعاءهما . و لكي   تتلافى خلة وفاة زوجها و تسد الطريق أمام عروض الزواج . وعسرتدبيرقوت ولديها ؛ أغلقت بابها ، واتجهت إلى تكريس وقتها لحياكةالسجاد والبسط  والوسائد وأشياء أخرى  تمارسها داخل البيت . هذا العمل المضني يحتاج إلى جهد . فهي التي تغزل ، وهي التي تُكوّر الخيط ، وهي التي تمدّ السدي . وهي التي تضبطه . وهي تحشك الحشك (1) وهي التي تضرب بالمضراب(2). كان عملا مجهدا، استمر لسنوات و هي تعمل في الحياكة منحنية الظهر ، فرافقتها آلام الظهر. و لولا عائلة جارتها أم محمد للاقت مصاعب جمة . فعملها منفردة بالكاد يدبر لقمة العيش .  

 كان عليها أن تواصل اعتمادها على نفسها. وأن تتهيّأ للكثير مما لم تألفه حياتها.

***

 فاجأتها معضلة في ليلة المحنة ، لم تألفها البيوت المفجوعة . موت وعودة للحياة ، ليست مألوفة ولا منطقية. ولكونها امرأة عملية ، لقنتها الحياة الصعبة - أن تكيف ترتيب أمورها بنفسها، وحسم ما ينبغي حسمه - فقد ركنت التابوت إلى زاوية  لكي تفسح مكانا رحبا لحركته ، رغم إن حركته انتظمت، على النحو الذي يبديه إنسان معافى . وفوّتت عليها تلاحق الأحداث ، استباحة الفجر المداهمة ، حيث تعالى الآذان ، رويدا.. رويدا :

ـ الله أكبر .. اللـــــــــــــــــ.............ه أكبر . لا....... إلا.......ه إلا اللــــــــــــــــــــ..........ه .

ووقع بين يديها أنها تأخرت كثيرا . فأول ما طرأ في بالها حضور المشيعين الوشيك ، فماذا تفعل؟ ما هو الرد ؟ وكيف تتستر على حالته ؟ ماذا تصنع لو قرع الباب؟

  في متناول ذهنها : أن توصد الباب بإحكام ، وان تتوقف عن إلقاء الأسئلة على نفسها. فحتى هذه اللحظة لم تهتد إلى ما توحي إليه الأمور، حين يتم التعرف على حال ابنها. والله اعلم .

  ولعل هذه الحالة التي وجدت ولدها فيها ، ووجدت نفسها. تلك التي ترفضها ولا تشتهيها لأحد. مثل هذه التي يكابدها جاسم.. فمن الحيف أن تستسلم وتدع جاسم فريسة لها وهو حي يتحرك . و في حكم وضعه هذا فقد صار موضوع الدفن ملغياً تماماً . 

***

 هل يدفن حيّاً؟ و لهذا .. هل هناك من يجيبها على سؤالها و يقنعها بحل ؟ هل فكروا بوضع حلول لوقوع هكذا ، حدث لا يقرّه العقل ؟  تحزمت بعباءتها ،  بحثت عن الفأس ووضعتها بقربها وعزمت أن تقاتل أي كان من أجل إبقائه إلى جانبها.

***

 كل ما تجد من حجة .. تجد إلى جانبها نقاط ضعف تربك موقفها . وهذا الارتباك متأتٍّ من ازدواجية، معضلته ، التي لم يكن موتاً مكتملاً ولا حياة مكتملة. إنه بالأحرى قد اقتيد إلى تقديم نموذج لا يشفع لصانعي عقدة وضعه. إنها نقطة الضعف التي تطيح بمفهوم هذا الواقع غير المنطقي .  ظلت تفكر بقلق كبير . فهي ما كان أجدر بها أن تتأخر عن الحيطة لإبقائه إلى جانبها وتضيّع هذا الوقت كله . لذا ما كان جدير بها أن تتأخر حتى الصباح .

  وظلت تكدس كل شيء ثقيل ، بحيث تتمكن من إحكام الباب و تكسبه المنعة و المقاومة . فقد كان الباب من ألواح الخشب ، غير أنه يستطيع أن يقاوم الضغط والدفع ومحاولة القلع .

   في قناعتها ؛ إنها لا ترجو شيئاً من هؤلاء الناس ومن غيرهم . إنها فقط تريد أن يحيدوا عنها ، و يوفروا لها وقتاً كي تفكر على مهل وبعقل سليم لا بعقلها المرتج الآن . فليس من العدل أن تحسم خطباً ارتج فيه عقلها في خضم ليلة واحدة ولم يحسم بعد . أو على الأقل تريد أن تختص بأُناس لديهم رجاحة عقل مثل جارها وزوجته أم محمد، وتجلس معهما بعيداً عن هذا الصخب ، ثم تصل إلى حل لما يعينها على ما هي فيه . والحل الذي توصلت إليه ، و لا طريق سواه : أن تهرب بولدها حال أن تتوفر الظروف وتحتفظ به . ولكن كيف سيتهيّأ لها الوقت الكافي؟ هذا ما يحيّرها . فإنها معضلة كبيرة في مساحة وقت ضيّق . وأي فلتة لسان عن حالته التي هو عليها سيعصف بالحدث كما يعصف الإعصار . وآنذاك : يا لحالها وحاله الذي سيكون  أشهر من نار على علم .

  سوف لن تكون محنة بل حادثة يتندر بها الآخرون وسوف يعوضهم عن الاستماع لنتائج الحرب بل تتجه الأنظار إلى بيتها على نطاق يعلم الله بحدوده .

 إذن ..باتت الحرب الآن قائمة و تحولت قسوتها و صراعها داخل بيتها. ذي الحال  الرديء .

 و ما يمكن أن نترجمه ؛ ان البطل  الذي تَكَشف من تحت جلباب القدر ، الذي اكتسب شهرة ستهز الدنيا برمتها ، هو جاسم المتربع على عرشه الآن في بيتها هذا .

 شرعت أُم جاسم بإلقاء كل ما هو ثقيل خلف الباب . و بدأت الظنون تهيمن على ذهنها و تتصور الناس يضايقونها ، و يأتون في وقت ليست هي بحاجة إليهم فيه .

  إنها فقط : بحاجة إلى وقت أطول . فربما سيوصلها قدرها إلى علاج ناجع لحالتها ، أو على الأقل تجد لها مجالاً لكي تهرب إلى حيث يشاء الله . أما إذا ضاقت بها السبل وانسدت بوجهها كل المنافذ..فستحاول أن تقنع المسئولين الذين هم شركاءها بالبحث عن حل ، لكونه : لا هو ميّت و لا هو حي . ولكن .. ما الذي يجنيه ولدها من هذا؟

  وبعد أن أطرقت برأسها لتستعجل نفسها حتى تصل إلى حل يأتي بنتيجة لصالح ولدها فإنها لم تجد حلاًّ ، و قد انغلق دماغها بالكامل على : انها لا تملك أي مخرج من حيرتها التي هي فيها . 

***

إلاّ أن جاسم سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى ظاهرة مثيرة عنيفة الوقع و ربما ستجنح حالته لكي تكون نمطاً مسلياً.

  وما كان جاسم ولا فتاح الفأل - الذي بشرّها بكونه سيكون عظيم الشأن - يرتضيان هذه العظمة البائسة : عظمة لمخلوق تغتصب الحرب رأسه و تقدمه كنموذج فريد من نوعه لعطائها. 

 ولكنه يمارس حياة  تقترب من النتائج  المقبولة. ثم يشغل الناس و ربما كل العالم ، و كأن الدنيا قامت و قعدت في بيتها : و لعلها تفهم بقدر ما يسمح إدراكها المحدود ، المتخبط الذي واصل تحريه في بحثه عن مخرج من هذه المعضلة ، و أكيد أن عقلية الحرب ستكون مسرورة جداً – لو كان لها عقل مدبر – أن تقدم نسخة مترجمة عن نتائج خصوصية قيمها و أخلاقها ، و ستكون النتيجة : 

ان العالم كُله سيرتج و سيتحول إلى أذن صاغية بكل حواسه لما يحدث في هذا البيت المتكون من : غرفة واحدة ، و عربة ، و حصان ، و ثلاثة من البائسين . هذا ما تفتقت عنه قيم هذه الحرب .

 عندما رافقتها أم محمد إلى فتاح الفال ، لكي يقرأ مستقبله ، و هو ما زال على قفاه : هل أراد فتاح الفأل أن يُنْبئها بانشغال بال العالم بهذه الوسيلة المفجعة ؟ وأن العالم ستهتز مفاهيمه و قيمه ؟ فما هو ربحها من ذلك ؟ ما عظمة الوظيفة المناسبة التي توصل إليها ولدها ، حسب إشغال العالم ؟ ما ربحها من خيرها ؟ إنها تكفر وتسخِّف هذا الخير .

  ما كانت والدته ترتضي له كما تمنت سابقاً أن يكون كحاله في السابق . و إذا عصيت الأمور على ذلك ، فهي قابلة به حياً مهما بلغ عليه من حال . المهم أن يكون قريباً منها، حتى و لو بهذه الصورة .

ونادمت نفسها كأنها تخاطب الناس الذين سيتجمعون :

ــ اعطوني يا خَلق الله : ما الذي حصلت عليه لولدي من كل هذا ؟ ناولوني مما ملأ فتاح الفأل دنياي به من أمل و مستقبل . و أحلام ذهبت بي  بعيداّ وأضاعت علي فرصة التروي في أُمنياتي . 

ما كانت أمانيها أن تكون سنيّ كفاحها أن توصلها إلى هذا المغنم الذي وضع بين يديها جزاء سنيِّ العذاب تلك. كم من السنين قدمت من خسائر ؟ 

كم من السنين قضتها ركضاً وراء لقمة العيش .. لكي توفرها لهما ؟ كم تبضعت أصابعها و انحنى ظهرها بالحياكة ؟ أيعتقد ربها أنها كسبت الرهان ، وساوت الأخريات؟ أيعتقد أن هذه النتيجة هي العلاج لمحنتها؟ حاشا له أن يكون الفاعل لمصيبتها . 

ـ هذه ليست من صنعتك ربي ...

  كانت محنتها ضاربة أطنابها في غرفتها التي أوصدتها . و لسان حالها  يجيب على ما هي فيه ، فقد غادرها بكامل جسده ولم تستطع أن تعترض . الحرب هي التي انتزعته . ما الذي يريدونه منها بعد ؟ الحرب هي التي انتزعت رأسه و طحنته بين طاقي رحاها؟ فهل الحرب قد ارتهنت رأسه لديها لضمان عودة جسده إلى فكيها من جديد ؟ إلى أين تمضي به ؟ أيرسل للمقابر .. أم تعود به إلى ساحات القرع و دوي أسلحة المعارك ؟ 

قالت مع نفسها :

ــ سأستميت لكي لا أدعـــــه يعاني محنته بعيداً عني . سأستميت .

 و عندما رأت أن ما تعاني من محنة أكبر من طاقتها راحت تتراجع عن عنادها : 

- إنني أحتاج إلى مساعدة ، فأنا وحدي لا أستطيع أن أتوصل إلى حل . أنا بحاجة إلى أُناس أصحاب حظ و بخت ، يتكفلون معي أن ينهضوا بواجبه ، لا بد أن أكون بجانبه . هم الذين ينبغي أن يفسروا لي كل هذا . 

ولكنها – كأم - تصر بلا تراجع ، أن تكون إلى جانبه.

 ظلت الغيوم ذات اللون الداكن تلملم أذيالها و تمضي إلى الغرب كأنها تنفذ قراراً صارماً أُوحي إليها. كأنها منساقة بأمر قاطع، مبتعدة بكدرها و غيثها الضميم ، إلى جهة أخرى تصب فيها مكنون غمامها . 

 ثمة وهن بقَرْصة البرد ، المتعبة طيلة ليل بليل. كان ليلاً متوحشاً ، كأنه يغص بالأشرار و ذوي النوايا المرعبة. 

 ليل هو نفسه يقاد إلى تكثيف المحن. إلى استلاب الإنسان من قدرته على معالجة أمر ليست بيديه وسيلة لضمان سلامته. 

 ليل أحكم فيه الشياطين والذئاب والكلاب المتوحشة و ذوي الأكباد الغليظة ، أحكموا التفافهم المنذر بالأسوأ. المتربص بوهن المسيرين لكي تمر المآسي في طريق معبد ينساب بهدير عجلاته دون عارضٍ. مهما كانت فظاعة المحن أو غرابتها. وكأن الرعد يتذمر و يستجير من وجع السياط ، مما أُوكلت إليه من مشاركة غير نبيلة . 

***

   الباب يطرق برفق. الطارق جاء مع غيره للرحيل بجاسم إلى المقابر . لذلك تواصل الطرق وبفترات متفاوتة . بيد أنه بعد أن أحكمت إغلاق الباب ، كانت تعد نفسها لكي تقاوم من يريد أن ينتزع ولدها ، ولهذا  قالت مع نفسها دون أن تُعيّن من تخاطبه :

ــ ماذا أقول لو أصروا انتزاعه مني؟

  غير أن الصخب الذي يدور خارج الباب ، يبدو ان المجتمعين قد بيّتوا العزم على اقتحام الباب مهما كانت النتائج . بيد أن أبا محمد ظل ينهر الجميع و يهدد بردع من لم يمتثل لأمره. ويرغب أن تعالج الأمور بالحكمة والإقناع :

-  أُم جاسم .. هل أنت واعية؟

  لم تجب. فهي لا تملك حلاً جاهزاً. 

 ازداد ارتياب الجميع ، وتوجسوا : أن يكون قد حدث لها مكروه ، و بعد أن ازدادت ريبتهم : من أنها قد تعرّضت لمكروه ، استقر في قناعة الجميع، عزمهم على خلع الباب إن تعذر عليهم أي حل . وإذا سمح لهم أبو محمد . و كان الرجل يدفع بالجمع إلى الخلف.

  و لم يذعن البعض لكلمات جارها. فابتعد شاب قوي الجسم، واندفع بكل ما يملك من قوة ليرتطم كتفه بلوح الباب ويخلعه. غير إن اللوح لم يتزحزح كثيراً بسبب ما تراكم خلفه من حاجيات.

  فلاحت أُم جاسم منفوشة الشعر مكفهرّة الوجه، مُلوِّحة بالفأس ، مصرّة على تهشيم رأس كل من يدخل .

قال أبو محمد:

ــ أُقسم أن لا يدخل أَحَد إلاّ على جسدي.

ثم نادى على أُم جاسم وهو يغلق المنفذ الذي حدث نتيجة اصطدام جسد الشاب به  :

ــ يا أُخيه.. تخليِ عن الفأس ودعينا نتفاهم. لا توجد مشكلة ألاّ ولها حل ...

قالت :

ــ لا أُريد ألحلول . الحل أن أحتفظ بولدي  .أنا ممسكة بفأسي هذه وسوف أُهشم بها رأس كل من يتجاهل احتفاظي به . ولكن إذا عزمت أنت على الدخول وأُم محمد سأسمح لكما، لأَّن هناك ما أُريد قوله لكما أنتما فقط .أما الجميع فليغادروا خارج البيت . أنا لا أُفرِّط بولدي لأي كان وستعرف السبب .

قال : - حسناً أيها الأخت كما ترين . الرجاء من الجميع أن يغادروا .

   وفي داخل الغرفة المحطمة الباب لم يزل جاسم يقبع، متوقيا بيديه، أمراً موهوماً، يهاجم موضع الرأس، أو ربما استلابه عنوة. بينما بدت الأم ، منفصلة عن طبعها. ورقتها وشكلها. لا صلة لها بماضيها . لا من قريب, ولا من بعيد. أفل استقرارها، وتماسكها الريّض الذي اعتادت عليه ، و ذلك الوجه الوقور . واستحالت إلى امرأة متنمرة معصوفة المشاعر تلوّح فيها هذه الدوّامة خارج إرادتها. ولا تعلم أي ارض صلبة أو هشة تستقر عليها . فتجلد وجهها وكلح. وفقد رونقه و بهاءه. وتحجّر، وارتسمت ملامح الإصرار والمرجلة المهووسة. وليس أمامها أي موقف أو خيار آخر. عدا هذا الذي أدلت بدلوه صواعق الأحداث المترادفة.

وعاد ابو محمد يهدئها:

ــ أنت لست أول الناس يا أُخيّه, ولا أخرهم. لقد فقدنا ولدينا ولم نفعل ما تفعلين . إننا سنعطيك الوقت حتى تقرري ما تطلبين أن نفعل .

  من الوارد أنها تعيش صراعاً لا مثيل له . إنها تقف على قدم و ساق لتقاتل من أجله. ولكن هي بحاجة لمن يقدم لها الحل البديل لما هي فيه من محنة. 

 حقيقة .. إن ما يواجه ولدها ، محنة واضحة المعالم . إنه قبل كل شيء يفتقد رأسه . و في حالة ما ألفتها البشرية . ولكن .. أن تكون هي المرأة الضعيفة الحال ، الضعيفة الإمكانية ، الضعيفة عن إيجاد حل مناسب .. و تناط بها مهمة غريبة التركيب مثل هذه ! 

 فليسأل راعي الأمور لماذا أوكل لها بالذات هذه المهمة ؟ لماذا لا توكل إلى ناس لديهم القوة لتحملها ؟

 إنها على استعداد أن تقاوم . لكنها لا تمتلك مقومات هذه المقاومة . وعليها أن تلين عريكتها وتستعين بأحد الرجال الأشداء الحكيمين ولم تجد أمامها سوى جارها وزوجته . وعليها أن تجيبه من أجل أن ينصرها على ?





صاحب الإمتياز الاستاذ الإعلامي غالب الحبكي

أخـر الأخبار

3efrit blogger


المواضيع والتعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي ادارة المــوقع ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك

عدد الزيارات الأن

Translate

البحث

المشاركات والنصوص الأكثر قراءة على موقعنا

قسم الحفظ والأرشيف